أحمد زكي صفوت

117

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة

108 - خطبة الأمين وقد تولى الأمر عنه ولما رأى الأمين الأمر قد تولّى عنه ، وأنصاره يتسلّلون فيخرجون إلى طاهر ، أمر بإحضار كلّ من كان معه في المدينة من القواد والجند ، فأشرف عليهم وقال : « الحمد للّه الذي يرفع ويضع ، ويعطى ويمنع ، ويقبض ويبسط ، وإليه المصير ، أحمده على نوائب الزمان ، وخذلان الأعوان ، وتشتّت الرجال ، وذهاب الأموال ، وحلول النوائب ، وتوفّد المصائب ، حمدا يدّخر لي به أجزل الجزاء ، ويرفدنى « 1 » أحسن العزاء ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، كما شهد لنفسه ، وشهدت له ملائكته ، وأن محمدا عبده الأمين ، ورسوله إلى المسلمين صلى اللّه عليه وسلم ، آمين ربّ العالمين . أما بعد : يا معشر الأبناء ، وأهل السّبق إلى الهدى ، فقد علمتم غفلتى كانت أيام الفضل بن الربيع وزير علىّ ومشير ، فمادّت « 2 » به الأيام بما لزمني به من الندامة في الخاصّة والعامّة ، إلى أن نبّهتمونى فانتبهت ، واستعنتمونى في جميع ما كرهتم من نفسي وفيكم ، فبذلت لكم ما حواه ملكي ، ونالته مقدرتى مما جمعته وورثته عن آبائي فقوّدت « 3 » من لم يجز ، واستكفيت من لم يكف ، واجتهدت - علم اللّه - في طلب رضاكم بكلّ ما قدرت عليه ، واجتهدتم - علم اللّه - في مساءتى في كل يوم ما قدرتم عليه ، من ذلك توجيهى إليكم علىّ بن عيسى شيخكم وكبيركم ، وأهل الرأفة بكم ، والتحنّن عليكم ، فكان منكم ما يطول ذكره ، فغفرت الذنب ، وأحسنت واحتملت وعزّيت نفسي عند معرفتي بشذوذ الظفر ، وحرصي على مقامكم مسلحة « 4 » بحلوان مع ابن كبير صاحب دعوتكم ، ومن على يدي أبيه « 5 » كان فخركم ، وبه تمّت طاعتكم

--> ( 1 ) رفده وأرفده : أعطاه . ( 2 ) طاولته وأمهلته . ( 3 ) أي اتخذته قائدا . ( 4 ) المسلحة : القوم ذو وسلاح . ( 5 ) يعنى جد عبد اللّه بن حميد بن قحطبة ، وهو قحطبة بن شبيب الطائي ، أحد الدعاة العباسية والقواد الذين قاتلوا الجيوش الأموية - انظر الجزء الثاني ص 513